اقرأ المزيد
اقرأ المزيد من المقالات من هذه السلسلة هنا
د. باتريك كين
كليات التقنية العليا، الشارقة
9 مايو 2023
يتيح أرشيف المورد بجامعة نيويورك أبوظبي الفرصة للعلماء والباحثين والطلاب لإجراء دراسات متعمقة والتفكر في تنوع ونطاق الإنتاج الثقافي العربي والنشر في القرن العشرين. افتُتِح المورد المركز العربي لدراسة الفن في عام 2021، وذلك بهدف جمع ورقمنة مجموعات من وثائق الفنانين والمؤلفين حول الفنون في الدول العربية، ومن بين المجموعات التي تم الحصول عليها حديثاً مجموعة كاملة من المجلة الفنية التي كانت تصدر تحت اسم "مجلة صوت الفنان"1 خلال الفترة من عام 1950 إلى عام 1951 أو عام 1952، أي في السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام الملكي.2
حصل أرشيف المورد على مجموعة مكونة من ستة مجلدات معظمها باللغة العربية بالإضافة إلى أعداد متزايدة من المقالات الفرنسية من الأعداد اللاحقة. ومن بين المؤلفين الذين ساهموا بمقالات قصيرة في المجلة بدر الدين أبو غازي، الذي قدم عدة مقالات قصيرة عن النحات محمود مختار، وكذلك ايمي ازار الذي قام بتدريس فلسفة الجمال في جامعة عين شمس وكتب حصرياً باللغة الفرنسية، بالإضافة إلى سلسلة من الدراسات والمؤلفات حول الفنانين المصريين المعاصرين.
عند صدور العدد الأول من المجلة في مايو 1950، كتب رئيس تحريرها محمد صدقي الجباخنجي3 (1910-1992) عن مكانة المجلة باعتبارها الأولى من نوعها في مصر والشرق العربي التي تعمل على تعزيز رقي الفن ومثله العليا. درس الجباخانجي الفن في القاهرة وروما وفلورنسا خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وعندما عاد إلى الإسكندرية كان عضواً نشطاً في مجموعات فنية مختلفة وكاتباً في الفنون. خلال فترة ترأسه للمجلة، لم يكن هناك شك حول موالاة "صوت الفنان" للتحالفات السياسية الملكية، حيث أعلنت المجلة استخدام الفنون لخلق "نهضة خليقة بعصر الفاروق العظيم"، الملك الحاكم.4 وبالتالي، فقد أدت هذه الولاءات السياسية المعلنة إلى أن تتخلص المجلة من الرقابة على الطباعة لأغلفة متعددة، بما في ذلك نشرها للتصاوير الجسدية العارية من الحقبات الفنية الكلاسيكية أو الرومانسية. ولضمان الحصول على الموافقات الإضافية، بدأ العدد الأول للمجلة بمقالين كتبهما أعضاء في وزارة الإعلام، التي تولت في ذلك الوقت مهاماً مماثلة لوزارة الثقافة والإرشاد الوطني التي تم إنشاؤها لاحقاً في عام 1958 خلال فترة حكم جمال عبد الناصر، وذلك خلفاً لوزارة الإرشاد القومي التي تشكلت في عام 1952 في أعقاب انقلاب الضباط الأحرار.5 كان من المفترض أن تستهدف المجلة قراء من أفراد الطبقة المتوسطة الضئيلة في مصر حينها، ممن كانت لديهم إمكانية الوصول إلى المواد الفنية باهظة الثمن، فضلاً عن توافر المكان والزمان المناسبين لهم لمتابعة الفنون التشكيلية وممارستها.
تعكس الحياة القصيرة للمجلة الأوضاع الهشة التي واجهت الطبقة الوسطى المصرية، وكيف اتخذت تلك الطبقة الفنون وسيلة لخلق بيئة ثقافية وإيديولوجية تميزها عن التيارات الرئيسية الأخرى للحياة الاجتماعية والسياسية المصرية في أواخر الأربعينيات. فقد كانت تلك سنواتٍ مثلت فترة تعافي البلاد من آثار الحرب العالمية الثانية، والاحتلال البريطاني، وموجات الكوليرا والأوبئة المتعددة التي اجتاحت مصر خلال سنوات الحرب. علاوة على ذلك، فقد ظهرت المجلة في عصرٍ كانت فيه الصحافة المطبوعة في ذروة انتشارها، ووسط صعود وتعاقب المطبوعات والمجلات السلفية، بدءاً بمجلة "المنار" التي أسسها الشيخ رشيد رضا (1898-1940)، وكذلك مجلة "الإخوان المسلمين" التي صدرت لأول مرة في عام 1933، وأعيد إصدارها حوالي عام 1946. ظهرت الأعداد الأولى من مجلة "صوت الفنان" بعد عام واحد فقط من اغتيال الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين" وبينما كانت حركته على وشك القيام بحملة للوصول إلى السلطة على الطراز البلشفي. كانت مجلة "صوت الفنان" تصدر شهرياً بسعر 10 قروش، وعلى ما يبدو أنها توقفت عن الصدور مع انهيار النظام الملكي. ورداً على ذلك، سارع أحد المنتمين إلى جماعة "الإخوان المسلمين" بإصدار مجلة قصيرة العمر باسم "صوت الشعب" في ديسمبر 1952 حمل غلافها صورة للواء محمد نجيب.
حملت العديد من أغلفة مجلة "صوت الفنان" صوراً للوحات أو منحوتات كلاسيكية ومشاهد رومانسية وتصويرات عارية، تلتها مقالات عن تقنيات رسم الجسم والوجه والمناظر الطبيعية. وكانت المجلة تستهدف جمهوراً صغيراً من القراء المثقفين بالإضافة إلى زمرة من متذوقي وممارسي الفن من الرجال والنساء سواءً في المنازل أو الاستوديوهات الخاصة. وبطريقة غير مباشرة، كانت المجلة تستهدف أيضاً تعليم فتيات الطبقة الوسطى تقنيات وأساليب الفن الأوروبي الحديث مع التركيز على الرومانسية وصور الجلوس ومشاهد الحياة الساكنة للديكورات الداخلية المنزلية والمناظر الطبيعية. كما شملت المجلة مجموعة متسلسلة من المقالات المختارة بعنوان "من قصص عباقرة الفن" والتي ناقشت الحركة الفنية الفرنسية في القرن التاسع عشر ابتداء بواقعية الفنان كوربيه ووصولاً إلى الانطباعية، وتناولت فنانين آخرين من بينهم مانيه ومونيه وسيزان. ضمن تلك السلسة، فسّر مقال لسليم الأسيوطي حول مانيه تصويره للمشاهد العارية، وتضمن صوراً كاملة بالأبيض والأسود للوحتي «غداء على العشب» (1863) وكذلك «أولمبيا» (1865). حيث افترض الأسيوطي في ذات المقال عند مناقشته للوحة «أولمبيا» تأثر مانيه المسبق بلوحة «مجموعة رعوية» (1509) والتي كانت تُنسب آنذاك إلى الرسام الإيطالي جورجيوني في القرن السادس عشر، إلا أن متحف "تيت" يصنّفها الآن باعتبارها من أعمال تيتيان. كما تجنب الأسيوطي الحديث عن أي فضائح معاصرة سواء حول العارضة الباريسية التي رسمها مانيه في كلتا لوحتيه أو حول الرمزية الإيمائية المتربطة بالبغاء في لوحة «أولمبيا» وموقعها بالمقارنة بالخادمة السوداء التي ترافق موضوع اللوحة. حيث كانت آراء الأسيوطي مؤيده لمانيه باعتباره فناناً عبقرياً على الرغم من أن تاريخ الفن ما بعد الحداثي وتاريخ الفن المتأثر بالنسوية يعد مانيه ولوحته «وجبة غداء في الحقل» الآن من أكثر الأعمال إثارة للجدل في حقبة الفن الحديث.
أما في العدد الصادر في يوليو 1951، فقد تناولت المجلة بإيجاز أحد المعارض الأولى للفنانات المصريات، والذي كان معرضاً لطالبات السنة الأولى وطالبات الدبلوم في معهد الفنون الجميلة للمعلمات6 الواقع في حي بولاق العمالي، والتي لفتت في وقت سابق انتباه الناشطة النسوية الليبرالية درية شفيق ومنظمتها "اتحاد بنت النيل".
وفي فبراير 1950، اقترحت جريدة "التقدم المصري" وتلقت الموافقة من وزير التربية والتعليم لاستخدام مدرسة حكومية لتوفير التعليم المجاني بهدف مكافحة ارتفاع معدلات الأمية في الحي7. كما غطت مجلة "صوت الفنان" بعض معارض طلاب كلية الفنون الجميلة بالزمالك. وبينما كانت كلية الفنون الجميلة في الزمالك مخصصة للذكور حصراً منذ إنشائها في عام 1908 وحتى حوالي عام 1951، إلا أنه سرعان ما التحقت بها الخريجات، ومن بينهم مريم عبد العليم التي تخرجت منها في عام 1954.
ومن بين اللوحات المختارة من هذا المعرض الآنف الذكر، نجد لوحة "حياة ساكنة" لممدوحة بكير ، وكذلك لوحات تصور وجوه عدد من الشابات رسمتها كل من ثريا عبد الرسول، وكوثر زكي، وحكمت عبده، إضافة إلى لوحة غير معروفة المصدر بعنوان "ميكانيكية العصر الحديث" لطالبة في السنة الأولى، حيث تعكس تلك اللوحة إعادة ترتيب الأجسام والقطارات وهندسة المدينة والرموز المختلفة للبيئة الحضرية بأسلوبٍ تكعيبي وتعبيري. ونجد أيضاً في أعداد أخرى من هذه المجلة ملاحظات من قبل أساتذة في الكلية ذاتها حول تلك المعارض الفنية، ومراجعات أخرى للمعارض من قبل الفنانة جاذبية سري وآخرين بصفتهم ممثلين لأعمال خريجي المعهد الجدد.
وفي عدد المجلة الذي صدر في ديسمبر 1951، قدم ايمي ازار وصفاً مثالياً لمكانة المرأة في الفن7، حيث قال عن المرأة في وصف رومانسي مثالي لها أنها هي الكائن والعنصر النقي في قلب الرجل، لتجسد شعلة الرومانسية هذه رؤية فنية مثالية للمرأة والحب. وقد استخدم ازار في مقاله رسومات جورج رومني لنساء من المجتمع، من بينهم لوحة للسيدة إيما هاميلتون، عشيقة اللورد نيلسون، التي صورها على أنها شخصية بطولية بالرغم من سمعتها الفاضحة، وذلك لما تحملته من المآسي كإضافة إلى تجسيدها للجمال والعاطفة المثاليين. وفي حين كانت السيدة هاميلتون هي ملهمة رومني الفنية، فإن صوفيا كارولين بوث (1798-1875)، هي ملهمة تيرنر، ولكنها كانت غير متعلمة نسبياً على عكس هاملتون، وكان زواجها الأول من صياد للأسماك، كما اتسمت حياتها بعدم الاستقرار المالي وكذلك تعرضها لسلسلة مختلفة من المآسي. أصبحت بوث رفيقة تيرنر بعد أن ترملت في عام 1833 حين توفي زوجها وابنها نتيجة الكوليرا، وقد صوّرها تيرنر في لوحاتٍ شخصية متعددة وفي رسوماتٍ عارية لها.8 في هذه المحاكاة، استند ازار إلى رسومات ويليام تيرنر الدرامية مثل في لوحة "رصيف كاليه، استعداد القوارب الفرنسية الصغيرة للإبحار: وصول حزمة إنجليزية" (1803)، التي يصور تيرنر فيها وصول قارب للركاب إلى الميناء في أجواءٍ مضطربة وغير مستقرة ، حيث تدور السحب الداكنة والعاصفة فوق الأمواج وتضرب العواصف أشرعة القوارب الهشة.9 أما المثال الثالث الذي قدمه ازار عن النساء البريطانيات البارزات اللاتي ساهمن في إلهام للفنانين الحديثين فقد كان للبائعة ليزي سيدال، التي أصبحت واحدة من أبرز العارضات لفناني حقبة ما قبل الرفائيلية وعلى رأسهم دانتي روزيتي. ولا يتضح من كتابات ازار ما إذا كان على علم باختلاف الأوضاع الاجتماعية لأولئك العارضات البريطانيات. إلا أنه وبالرغم من ذلك فسرعان ما قدم كذلك عدداً من الدراسات الرئيسية عن الفنانات المصريات بدءاً من عام 1953 في كتابه القصير "الرسامات المصريات".
الحواشي
1 يطابق اسم المجلة اسمها المكتوب باللغة الفرنسية على الغلاف الخلفي للمجلة في الأعداد الأصلية، في حين تمت طباعة الغلاف الأمامي باللغة العربية.
2 تاريخ انتهاء المجلة غير محدد. يدرج كتالوج الاتحاد العربي تواريخ النشر على أنها بين عامي 1950-1952 وفقاً لـمدخل مركز المكتبة الرقمية على الإنترنت رقم 4771378352. صدر العدد الأول لمجموعة مجلة "المورد" في مايو 1950، وصدر العدد الأخير منها في ديسمبر 1951. تم العثور على مجموعة جزئية فقط في مكتبة رقمية على موقع "وورلد كات". وقد وصف صبحي الشاروني المجلد، في موسوعته للفن المصري الحديث، بأنه استمر لمدة ثلاث سنوات.
3 هناك ترجمات حرفية مختلفة للاسم، لكنني استخدمت الصيغة التي تلت اسم المحرر المكتوب على الأغلفة الداخلية للمجلة نفسها، وخاصة المجلد 4، رقم 18-19 أكتوبر ونوفمبر 1951.
4 صبحي الشاروني، موسوعة الفنون الجميلة المصرية في القرن العشرين (القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2012): 97 -98.
5 حول الأدوار المتغيرة لوزارة الثقافة، انظر جيسيكا وينيجار، "الثقافة هي الحل: المهمة الحضارية لقصور الثقافة المصرية"، مراجعة دراسات الشرق الأوسط 43، رقم: 2 (2009): 189-197.
6 سبق لهذا المؤلف أن كتب عن هذا المعهد وكذلك كتب عن الفنانة منحة الله حلمي وهي إحدى خريجاته الأوائل. خضع اسم المعهد لعدة تغييرات، وأصبح يشار إليه أيضاً باسم المعهد العالي لمعلمات الفنون الجميلة. انظر باتريك كين، "منحة حلمي وظهور المعلمات والفنانات المصريات في خمسينيات القرن العشرين"، مجلة الفنون 11، رقم 5 (سبتمبر 2022): 95، https://doi.org/10.3390/arts11050095.
7 معهد سينثيا نيلسون، "درية شفيق، المصرية النسوية. امرأة مختلفة". القاهرة: مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، 1996. 163.
8 ايمي ازار، "الحب الخالص: منبع الوحي عند الفنانين"، مجلة صوت الفنان، المجلد 4، العدد 20 (ديسمبر 1951): 39-43. (باللغتين العربية والفرنسية).
9 راجع مدخل معرض تيت حول رسم تيرنر بعنوان "امرأة نائمة"، ربما السيدة بوث (حوالي 1830-1840https://www.tate.org.uk/art/research-publications/jmw-turner/joseph-mallord-william-turner-a-sleeping-woman-perhaps-mrs-booth-r1184330 .
10 للحصول على تفاصيل اللوحة راجع موقع المتحف الوطني، جوزيف مالورد ويليام تيرنر - رصيف كاليه - NG472 - المعرض الوطني، لندن.
اقتبس هذا المقال بالصيغة التالية:
باتريك م. كين "من أرشيف المورد: مجلة صوت الفنان". صوت الأرشيف، المورد المركز العربي لدراسة الفن، جامعة نيويورك أبوظبي (مايو 2023).
اقرأ المزيد من المقالات من هذه السلسلة هنا