أرشيف محمود حماد: جهود أرشيفية مؤسسية ومستقلة

لبنى حماد

مديرة الإرث العائلي للفنان محمود حماد

5 يونيو 2023 1

بدأتُ مع حلول عام 2021 بالتعاون مع المورد المركز العربي لدراسة الفن لرقمنة أرشيف والدي الرسام السوري محمود حماد، والذي يعد أحد الفنانين الأكثر تأثيراً في الفن العربي الحديث والحروفي. إلا أن رحلتي ذاتها في إدارة إرثه قد بدأت منذ عام 2010، وتكللت بعد حوالي عقد من الزمن في هذا التعاون مع مركز المورد. ومن خلال هذه السطور، سأطلع القارئ على الجهود الأرشيفية المستقلة والمؤسسية المختلفة التي بذلتها للحفاظ على أرشيف والدي وإرثه الفني.

ولد الفنان السوري محمود حماد في دمشق عام 1923، وكان رساماً وطابعاً ونقّاش ميداليات ونحاتاً. درس حماد في المدرسة الإيطالية بدمشق و في ثانوية جودت الهاشمي، حيث ظهرت موهبته الفنية منذ حداثته، فشجعه معلموه على دراسة الفن نظراً لموهبته المتميزة.

شارك حماد في تأسيس العديد من الجمعيات الفنية في دمشق خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ومنها الجمعية العربية للفنون الجميلة، وجمعية محبي الفنون الجميلة، وجمعية الفنانين السوريين للرسم والنحت، والجمعية السورية للفنون الجميلة.  

صورة 1: صورة شخصية لمحمود حماد، تصوير ستوديو نوبار في حلب، سوريا، أكتوبر 1950. صورة من الإرث العائلي للفنان محمود حماد، أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن

نال حماد على منحة من وزارة التربية السورية بغية الاطلاع على الفن ودراسته في أكاديمية الفنون الجميلة في روما، حيث أقام هناك بين عامي 1953 و1957. عقب عودته من روما، تزوج من الفنانة اللبنانية درية فاخوري عام 1958، وأصبح مدرساً للفنون في مدارس درعا.  أقام حماد في درعا لمدة عامين وهناك بدأ رسم سلسلة من اللوحات التي تطرق فيها إلى الموضوعات الاجتماعية المستوحاة من بيئة حوران في المنطقة الجنوبية من سوريا. وبعد ذلك عاد إلى دمشق عام 1960 ليشارك في تأسيس كلية الفنون الجميلة. وبحلول عام 1965، أسس محمود حماد جماعة دمشق "جماعة د" بالتعاون مع الفنانين ناصر شورى وإلياس الزيات، لتكون بمثابة اتحاد للفنانين التجريديين السوريين.

صورة 2: رابطة محبي الفنون الجميلة، دمشق، سوريا بتاريخ 3-4-1952. الواقفون من جهة اليمين: جاك وردة- نصير شورى- ميشيل كرشة- ميشال المير- محمود حماد. الجالسون من جهة اليمين ناظم الجعفري-روبرت ملقي-السيدة الشطي- السيدة مورالي - عدنان جباصيني. صورة من الإرث العائلي للفنان محمود حماد، أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن

بعد ذلك بعامين، نال حماد منحة اليونسكو ليسافر إلى أوروبا ويمكث هناك لبضعة أشهر. فعاد إلى روما مرة أخرى، ثم انتقل إلى مدريد وباريس، حيث التقى بفنانين أوروبيين معاصرين معروفين وعرض أعماله على جمهور جديد. وفي عام 1970 عين حماد عميداً لكلية الفنون الجميلة واستمر فيها حتى عام 1980.

تميز حماد في المحيط الفني، فكان له نهجٌ فريد في أعماله الفنية، وأثر على أجيال عديدة من الفنانين السوريين وحظي بشهرة عالمية خلال حياته، إذ قام بتصوير تركيبات مجردة كشفت عن مهارته في وزن العناصر الشكلية واللونية بإحكام وأبرزت براعته الأكاديمية والجمالية. فحصل على عدة جوائز منها "وسام الفارس القائد" ولقب "كومندور" من الجمهورية الإيطالية عام 1976، و"وسام الاستحقاق السوري للفنون والآداب" عام 1977. وبعد وفاته منحته وزارة خارجية الجمهورية السورية "وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة" عام 1989، كما منحته الحكومة السورية بعد وفاته بعض الجوائز الأخرى في مجالات الفنون والثقافة.

صورة 3: "[حماد .. فنان جيلين]" للفنان أسعد عربي، مقال نشر في جريدة الثورة بتاريخ 14 فبراير 1971. صورة من الإرث العائلي للفنان محمود حماد، أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن

أرشيف محمود حماد

إن الحفاظ على الإرث الفني يبدأ أولاً بجهود الفنان ذاته من خلال احتفاظه بتفاصيل كل شيء بدءاً من منشورات المعارض والدعوات ووصولاً إلى الرسائل والملاحظات والرسومات والأعمال الفنية الجارية قيد التنفيذ، والتي تعد جميعها بمثابة المواد التي تضافرت سوية لتبيّن لنا تفاصيل العملية الإبداعية للفنان. وعلاوة على ذلك، فقد اعتاد حماد أيضاً على تصوير أعماله عند الانتهاء منها، فكان لديه غرفة مظلمة في المنزل، وكانت هذه الغرفة هي الاستوديو الخاص به حيث يقوم بتحميض صوره وطباعتها.

في إحدى الزيارات إلى سوريا عام 2010 ناقشت مع أخي أمين، الأستاذ في جامعة كونكورديا الكندية، أهمية أرشفة أعمال والدنا  والحفاظ على إرثه الفني من الضياع. ولاستهلال هذه المهمة، كنا بحاجة إلى هيكل لتنظيم أعماله المتنوعة التي نفذت باستخدام وسائط متنوعة  في مراحل مختلفة من مسيرته المهنية التي امتدت عبر خمسين عاماً.

صورة 4: من اليمين إلى اليسار: محمود حماد، خير الدين المؤذن الأيوبي، ونصير شورى في مرسم نصير شورى في دمشق، سوريا بتاريخ 5 أغسطس 1949. صورة من الإرث العائلي للفنان محمود حماد ، أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن

بدأنا بتنظيم الأعمال الفنية بتقسيمها إلى أربع فترات: فترة البدايات (1939-1953)، ثم فترة روما (1953-1957) حيث درس الفن برفقة العديد من الفنانين العرب المشهورين، تليها فترة حوران (1957–1963)؛ وأخيراً فترة الأعمال التجريدية التي استمرت من عام 1963 حتى وفاته عام 1988. تشمل فترة البدايات مواد عن الجمعيات الفنية الأولى في دمشق في الأربعينيات والخمسينيات، ومواد من الستينيات والسبعينيات والثمانينيات تتضمن معلومات عن كلية الفنون الجميلة في دمشق، والأساتذة الزائرين من الخارج، وكذلك المؤتمر العربي الأول للفنون الجميلة الذي انعقد في دمشق عام 1971، والذي أعقبه المؤتمر الأول للاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب الذي نظم في بغداد عام 1973، وغيرها الكثير من التفاصيل المهمة في تسجيل تاريخ الحركة الفنية الحديثة في سوريا.

صورة 5: محمود حماد مع طلابه في دمشق عام 1964

كانت الخطوة التالية، بغية إنشاء الأرشيف الرقمي بصور عالية الدقة، أن عملنا مع مصور محترف لتصوير جميع اللوحات التي كانت لدينا في الاستوديو (صور أمامية وخلفية حيث كانت المعلومات مكتوبة على الظهر)، وكذلك القطع الكبيرة على الورق، والميداليات.

وعلى غرار تلك الفترات من حياة الفنان، قمنا بعد ذلك بتنظيم الأرشيف بناءً على أنواع الوسائط بما في ذلك الرسومات والمخططات والصور الفوتوغرافية. كما احتفظنا بسجلات للوثائق بما في ذلك الرسائل والمراسلات وكتالوجات المعارض والمواد التعليمية والمقالات والترجمات التي كتبها حماد. وقمنا بتنظيم جميع المنشورات الورقية المتاحة، مثل المقابلات في المجلات والصحف والكتب.

أخيراً، قمنا بمراجعة جميع الصور والشرائح والصورة الفوتوغرافية السالبة وقمنا بمسحها ضوئياً. كما قمنا بنقل جميع أشرطة الفيديو التي تتضمن المقابلات على التلفزيون السوري إلى أقراص مدمجة. وتتضمن الأشرطة مقابلات مع فنانين آخرين مثل نصير شورى، ونعيم إسماعيل، والياس الزيات. كما اكتشفنا أن حماد كان يحتفظ أيضاً بسجلات داخلية توثق تفاصيل الأعمال وأماكن عرضها، وسجلات ما تم بيعه أو نشره، وفي بعض الحالات أسماء المشتريين. أتاحت لنا هذه الوثائق الشاملة تسجيل تفاصيل الأعمال التي كانت لدينا معلومات عنها.

الشكل 6: محمود حماد، كتالوج المعرض الفردي في جمعية الفنون الجميلة بدمشق، سوريا، بتاريخ 15 يناير 1953. صورة من الإرث العائلي للفنان محمود حماد، أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن

ومن ناحية أخرى، وجدنا أن معظم الأعمال من فترات "البدايات" و"حوران" و"الأعمال التجريدية" قد كانت مرقمة. فأصبحت تلك معلومات إضافية يجب إضافتها إلى تفاصيل العمل، وأتاحت لنا التعرف على الأعمال المفقودة في الأرشيف. والأهم من ذلك، أن نظام الترقيم هذا ساعدنا في التحقق من صحة الأعمال والتعرف على الأعمال المنسوبة إلى كل من هذه الأرقام.2

لقد قمنا حتى اليوم بأرشفة حوالي 4,600 عملاً فنياً على القماش والألواح والورق. وما زال هناك أعمالٌ تنتظر الأرشفة  مثل بعض الميداليات والأعمال البارزة بالجص التي صممها حماد.

يعد أرشيف محمود حماد بمثابة تكريم لجميع الفنانين من أبناء جيله. فقد كان الجيل الذي سبق حماد شغوفاً ومتفانياً ومثابراً في فنه، وقدم أعمالاً رائعة بالرغم من الظروف الصعبة التي عاصروها، خاصة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. ويمكن القول إن تجربة حماد في فترة "البدايات" هي تجربة مشتركة بين أبناء جيله الذين شهدوا أيضاً صعوبات ثقافية ومالية مماثلة بدورهم.

صورة 7: من كتالوج حفل تكريم محمود حماد بمناسبة فوزه بالمركز الأول في معرض الانترغرافيك الدولي في برلين عام 1976، والذي أقامته نقابة الفنون الجميلة في دمشق بتاريخ 19 ديسمبر 1976. صورة من الإرث العائلي للفنان محمود حماد، أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن

الإرث العائلي للفنان محمود حماد

شعرت في هذه المرحلة أن الوقت قد حان لتسمية الأرشيف وتحديد الغرض منه. وقد ساعدني في ذلك أن حضرت المؤتمر الذي عقده معهد إرث الفنانين في برلين عام 2016 بعنوان: “الحفاظ على الإرث”، والذي ناقش جوانب تخطيط وإدارة إرث الفنانين. حينها علمت أنه إذا كنت ترغب في إدارة إرث فنان، فيجب عليك أولاً أن تكون على دراية برؤية الفنان وأهدافه، والتي في حالة والدي كانت واضحة في أوراقه وكتاباته ومقالاته.

هناك العديد من القضايا التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند إدارة إرث الفنان أو التخطيط له؛ فمن الضروري النظر في القضايا الاستراتيجية والقانونية بالإضافة إلى مسائل الحفظ والترميم. ومن المهم أيضاً التفكير في كيفية الحفاظ على الإرث وتسليمه للأجيال القادمة. كما تعتبر الاتصالات الموثوقة في سوق الفن ضرورية، وتعد إدارة العلاقات مع المتاحف والمعارض ودور المزادات أمراً مهماً من حيث البيع والتقييم والتوثيق والاستشارة.

لجعل المواد الأرشيفية في متناول الجمهور قدر الإمكان، قمنا بإنشاء موقع إلكتروني وصفحات على وسائل التواصل الاجتماع "فيسبوك" و"إنستجرام". كما جعلنا جزءاً من المواد متاحاً أمام الجمهور عبر الإنترنت، وإن لم يكن الأرشيف بأكمله، على أمل أن نجعل الأرشيف بأكمله متاحاً للعامة في المستقبل القادم.

مجموعة محمود حماد ضمن أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن في جامعة نيويورك أبوظبي

صورة 8: محمود حماد، العمل الحائز على الجائزة الأولى في معرض انترجرافيك الدولي في برلين عام 1976. صورة من الإرث العائلي للفنان محمود حماد، أرشيف المورد المركز العربي لدراسة الفن

كانت الفكرة في البداية هي نشر الأرشيف في فهرس أعمال فنية مطبوع، لكنني وجدت أن هذا سيكون تحدياً من حيث تمويل مثل هذا المشروع، كما وجدت أن الفهرس الإلكتروني سيكون أكثر جدوى من حيث التشغيل والتحديث.

بالتعاون مع أرشيف المورد في جامعة نيويورك أبوظبي، تتمكن مجموعة محمود حماد الفنية من أن تصبح جزءاً من أرشيف رقمي مقترن بمجموعة من المساعي العلمية والفنية. حيث سيضيف هذا التعاون المزيد من الموارد والخبرات التي تساعدنا في بناء أرشيف حماد والترويج له.

بالإضافة إلى ذلك، فقد وقعنا عقداً مع مؤسسة أتاسي اتفقنا فيه على أن نشاركهم مواد الأرشيف ليكون جزءاً من أرشيف الفن السوري الحديث الخاص بهم.

مشاريع مستقبلية

من ناحية أخرى، نعمل أيضاً على أرشفة أعمال ووثائق والدتي الفنانة اللبنانية درية فاخوري حمادي، حيث سيتضمن هذا الأرشيف بدوره بعض الصور من الفترة التي قضتها في أكاديمية الفنون الجميلة في بيروت (حالياً الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة)، ومن الفترة التي قضتها في روما حيث درست الفن، إلى جانب بعض كتيبات المعارض والمراسلات.

وعلى الرغم من التقدم الكبير المحرز في جمع الإرث حتى الآن، إلا أنه يبقى الكثير مما يتعين القيام به. فما تم إنجازه حتى الآن هو ما إلا مجرد بداية لما يحمله هذا الإرث الفني القيم الذي يتمثل هدفه الأساس في على إرث الفنان محمود حماد الفني والثقافي.


الحواشي

1 تم تقديم هذا النص في الأصل من قبل لبنى حماد ضمن جلسة "سلوى روضة شقير ومحمود حماد - الحفاظ على الإرث: أمناء الفن العربي" التي أقيمت ضمن فعاليات معرض "فن أبوظبي" (نوفمبر 2022). نظمت هذه الجلسة من قبل المورد المركز العربي لدراسة الفن وشاركت فيها الفنانة هالة شقير وأدارتها الفنانة الباحثة آلاء يونس.

2 يتمثل أحد أدواري في إطار إدارة الإرث في تقديم المعلومات للعلماء ومؤرخي الفن والباحثين والمتاحف والمعارض عند اللزوم، وكذلك التصديق على الأعمال وتقديم شهادات الأصالة مجاناً لتشجيع الأشخاص على إطلاعنا بما لديهم في مجموعاتهم الفنية المقتناه. هناك سبب رئيسي آخر وراء تقديمنا لشهادات الأصالة وهو متعلق بالأشخاص الذين يتصلون بنا بخصوص عمليات التزوير المحتملة. وعلى حد علمي، فإن عدد الأعمال المزيفة ليس كبيراً، ومن السهل أيضاً اكتشافها.


اقتبس هذا المقال بالصيغة التالية:

حماد، لبنى. "أرشيف محمود حماد: جهود أرشيفية مستقلة ومؤسسية." صوت الأرشيف، المورد المركز العربي لدراسة الفن، جامعة نيويورك أبوظبي (يونيو 2023).

اقرأ المزيد


اقرأ المزيد من مقالات هذه السلسلة هنا